لسنوات، كان اللبناني يسمع العبارة نفسها كلما انفلتت منطقة، أو تمددت عصابة، أو تأخر توقيف مطلوب، أو تحولت شبكة إلى خطر على الناس:

لا إمكانات.

إعلان

لا آليات كافية. لا محروقات. لا موازنات. رواتب العسكريين انهارت. الأزمة الاقتصادية شلّت المؤسسات. والدولة بالكاد قادرة على إبقاء أجهزتها واقفة على قدميها.

وكان في كل ذلك جزء كبير من الحقيقة.

فالعسكري الذي انهارت قيمة راتبه، والضابط الذي يعمل ضمن مؤسسة تعاني نقصًا في التجهيز والتمويل، ليس آلة يمكن مطالبتها بالمزيد إلى ما لا نهاية.

لكن وسط الانهيار نفسه، كانت تحصل مفارقة يصعب تجاهلها.

كانت وحدات تنجح حيث تفشل أخرى.

وضباط ينفذون عمليات نوعية بإمكانات محدودة، فيما وحدات أخرى تمتلك ظروفًا مشابهة وتبقى نتائجها محدودة.

وكان التفسير الذي يتكرر داخل المؤسسات الأمنية نفسها بسيطًا:

المعنويات.

لأن العنصر الأمني لا يقاتل بالمحروقات والآليات والسلاح وحدها.

يقاتل أيضًا عندما يشعر أن هناك قائدًا خلفه.

قائدًا يعرف اسمه وتعبه، يحميه عندما يعمل ضمن القانون، يحاسبه عندما يخطئ، ويجعله يشعر بأن نجاح العملية نجاح للوحدة كلها، لا مجرد رقم سيُدفن في تقرير صباح اليوم التالي.

وهنا تحديدًا يمكن قراءة ما تبدّل بعد وصول العماد جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية.

لبنان لم يصبح فجأة دولة غنية.

الأزمة الاقتصادية لم تختفِ، موازنات الأجهزة لم تتحول إلى موازنات دول كبرى، ولم تستيقظ المؤسسات الأمنية صباح اليوم التالي للانتخاب لتجد أمامها أساطيل من الآليات والتجهيزات الحديثة.

الكثير من المشكلات بقي.

لكن شيئًا آخر بدأ يظهر من رأس الهرم:

الغطاء المعنوي.

الرئيس الذي جاء من المؤسسة العسكرية يعرف جيدًا أن المعنويات في العمل الأمني ليست خطابًا احتفاليًا ولا صورة تذكارية مع ضباط.

إنها جزء من القدرة العملياتية.

وعندما يقول رئيس الجمهورية إن القوى الأمنية هي صمام أمان للبلد، ويتعهد بدعمها وتحسين أوضاع عناصرها، وعندما يجتمع بالقيادات والمسؤولين الأمنيين ويتابع معهم نتائج عمليات محددة، فإن الرسالة لا تتوقف عند باب مكتب قائد الوحدة.

إنها تنزل إلى الضابط والعسكري الموجودين في الشارع.

والنتائج الأمنية المسجلة خلال هذه المرحلة تستحق التوقف عندها.

في مكافحة المخدرات مثلًا، شهدت البلاد عمليات وُصفت رسميًا بالنوعية، بينها إحباط تهريب نحو 8 ملايين حبة كبتاغون وتوقيف متورطين، كما أشادت رئاسة الجمهورية بعملية أخرى ضُبط خلالها 125 كيلوغرامًا من الكوكايين قُدرت قيمتها بنحو 15 مليون دولار. كذلك تحدثت الرئاسة عن عمليات للجيش في مكافحة المخدرات وتوقيف المتورطين.

هذه الوقائع لا تعني أن الجريمة انتهت.

ولا أن كل الأجهزة أصبحت فجأة مثالية.

ولا يجوز اختصار نجاح مؤسسة كاملة بشخص واحد، لأن خلف كل عملية ضابط يخطط، وعسكري يراقب، ومحقق يجمع المعلومة، وعنصر قد يدخل منزل مطلوب ولا يعرف إن كان سيخرج منه حيًا.

لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا:

إذا كانت الأزمة الاقتصادية لا تزال موجودة، والإمكانات لا تزال محدودة... فلماذا لم تعد شماعة «ما في إمكانات» مقنعة كما كانت؟

ربما لأن المشكلة لم تكن يومًا في الإمكانات وحدها.

كان هناك عنصر آخر اسمه القيادة.

الرئيس عون تعهّد منذ خطاب القسم بـ«تفعيل عمل أجهزة القوى الأمنية على اختلاف مهامها»، وشهدت المؤسسات لاحقًا تعيينات ومناقلات وتشكيلات أمنية وعسكرية.

وهنا بيت القصيد.

ليس المطلوب تعيين ضابط لأن أحدًا يريد مكافأته.

ولا وضع مسؤول على رأس وحدة لأن «الست» أو «الزعيم» أو «المرجعية» تريد شخصها هناك.

المعيار يجب أن يكون أكثر قسوة:

ماذا فعل؟ وماذا يستطيع أن يفعل؟

لأن أخطر ما يمكن أن يصيب جهازًا أمنيًا ليس نقص سيارة أو جهاز كمبيوتر.

بل أن يشعر العسكري بأن قائده وصل إلى موقعه بصفقة، وأن المطلوب منه حماية مصالح من أوصلوه، لا حماية الناس.

أما عندما يوضع الضابط المناسب في المكان المناسب، ويُعطى صلاحية العمل ضمن القانون، ويعرف أن فوقه قيادة تريد نتيجة لا خدمة سياسية، فإن شيئًا يتغير في الوحدة كلها.

العسكري الذي كان ينتظر انتهاء دوامه يبدأ بملاحقة المعلومة.

المحقق الذي كان يخشى فتح ملف يبدأ بالسؤال.

والضابط الذي كان يحسب ألف حساب قبل الاقتراب من شبكة محمية، يفهم أن المطلوب منه أن يقوم بوظيفته.

هكذا تُبنى هيبة الدولة.

ليس بخطاب يقول إن الدولة قوية.

بل عندما يكتشف تاجر المخدرات أن الغطاء لم يعد كافيًا.

ويكتشف السارق أن المنطقة ليست متروكة.

وتفهم شبكات الاتجار بالبشر والتهريب والجريمة المنظمة أن الأجهزة التي اعتادت الدولة الاعتذار عن ضعفها بدأت تستعيد شهيتها للعمل.

وهنا أيضًا تقع مسؤولية كبيرة على القيادات الحالية.

لأن المعنويات التي تُمنح اليوم ليست شيكًا على بياض.

من يُمنح الثقة عليه أن يردها نتائج.

ومن يتسلم وحدة أمنية ليس مطلوبًا منه أن يكون مدير مكتب ينتظر التقارير، بل قائدًا يعرف ماذا يجري في وحدته، ويعرف عناصره، ويتابع عملياته، ويحاسب المقصر ويحمي من يعمل.

فالرتبة وحدها لا تصنع قائدًا.

العناصر هي التي تكشفه.

إذا كان قائدهم حاضرًا معهم، يعطونه من قلبهم.

وإذا شعروا أنه يستخدمهم سلّمًا لموقع آخر، يعطونه الحد الأدنى المطلوب وينتظرون نهاية الخدمة.

لهذا، ربما تكون إحدى أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من المرحلة الحالية أن إصلاح الأمن في لبنان لا يبدأ دائمًا بشراء المزيد من السيارات.

أحيانًا يبدأ باختيار الرجل الصحيح للمكان الصحيح.

ثم منحه الثقة.

ثم مطالبته بالنتيجة.

لقد مرّ لبنان بسنوات كان فيها الانهيار الاقتصادي تفسيرًا جاهزًا لكثير من العجز.

أما اليوم، فالأزمة لم تنتهِ.

والمال لم يتدفق فجأة.

والتجهيزات لم تصبح مثالية.

لكن الأعذار أصبحت أصعب.

لأن وحدات تعمل.

وضباطًا يحققون نتائج.

وعناصر، رغم كل ما يعيشونه، ما زالوا يدخلون إلى أخطر المهمات.

وربما ما احتاجه هؤلاء منذ البداية لم يكن فقط راتبًا أفضل وآلية أحدث، وهما حق وضرورة لا نقاش فيهما.

كانوا يحتاجون أيضًا إلى أن يشعروا أن هناك دولة وراءهم.

وأن رأس هذه الدولة يرى ما يفعلونه.

وأن الضابط الناجح سيصل لأنه ناجح، لا لأنه محسوب.

وأن المطلوب من الجهاز الأمني لم يعد خدمة هذا وذاك.

بل خدمة وطن.

وعندما يصل هذا الشعور من رأس الهرم إلى آخر عنصر في الدورية، تصبح الإمكانات المحدودة عائقًا يمكن مقاومته، لا ذريعة دائمة للتقاعس.

وهنا يبدأ الفرق بين جهاز ينتظر الدولة كي تنقذه...

ودولة تستعيد أمنها برجال قرروا أن يقوموا بعملهم.