محمد الجنون - رادار سكوب:
باتَ أكيداً وواضحاً أنّ لبنان فشل في إنجاح القمة الإقتصادية التنموية التي من المفترض أن تعيد ثقة المحيط العربي به. فإلى جانب الدول العربية الغائبة عن القمة، فإنّ لبنان كان الغائب الأول لعدم وجود حكومةٍ "دستورية"، كان من المفترض أن تستلمَ توصيات القمة للعمل عليها.
ورغم حلقات الفشل المتتالية التي توالت على الدولة اللبنانية، فإنّ لبنان بات حاضراً بشكلٍ بارزٍ في المحيط الدولي أكثر من أي وقتٍ مضى، وهذا ما فرضته مسألة إعمار سوريا التي يجب أن يكون لبنان منصة أساسية له.
في الواقع، فإنّ بروز لبنان في عين الدول الكبرى من جديد، ليسَ أمراً عادياً ولم يتأتَّ من فراغ. فالاتّكال عليه كبير والتحديات أمامه أكبر، بدءاً من مؤتمر "سيدر" الذي يمنحه 11.5 مليار دولار لتمويل مشاريع البنى التحتية وتوفير فرص عمل. ولكن ما لم يدركه البعض أنّ أموال "سيدر" التي مُنحت للبنان في ظلّ اهتراء بنيته السياسية وهشاشة وضعه الإقتصادي لم يتأتّ من فراغ. فالدول المانحة لم تعد تؤمن بمشاريع التنمية عبر أموال مباشرة، تمنحُ للحكومات التي تعاني من فساد مستشري كما في لبنان، إذ أن التجارب السابقة مع باريس 1 و 2 و 3 كانت موجعة للبنان وللمجتمع الدولي، حيث تبخّرت الأموال التي قدمها المجتمع الدولي من دون أي تقدم ملحوظ في مختلف القطاعات.
ومن هنا، فإنّ مؤتمر "سيدر" شكّل انعطافةً واضحة للبنان، ليس كخدمة مباشرة له، بل كممرٍ لإعادة إعمار سوريا. فالبنى التحتية في لبنان ليست إلّا طريقاً للوصول إلى سوريا، علماً أنّ المجتمع الدولي سيفرض رقابة على كافة المشاريع التي ستنفّذ.
ومن الناحية الإقتصادية، فإنّ من أموال "سيدر" لا يمكن أن تدخل لبنان دفعة واحدة، إذ أنّ دخول 11 مليار دولار إلى لبنان سيؤدي إلى تدمير الإقتصاد الداخلي تدميراً شاملاً نتيجة للتضخم الذي سيحصل. وعليه، فإنّ الدول المانحة ستمنح لبنان أموالاً على مشاريع مرفقة بالجدوى الإقتصادية الخاصة بها، ومن ثمّ دراستها والنظر بأهميتها لتقرير مسألة تمويلها ومراقبة تنفيذها.
ومن هنا، فإنّ مؤتمر "سيدر" يشكّل المدماك الأول لإعمار سوريا، كما أنّ القمة العربية في حال نجاحها كان من المفترض أن تشكّل مدماكاً آخرَ على هذا الصعيد، وكان على لبنان أن "يُقاتل" لإعادة نفسه إلى الحضن العربي من خلال المطالبة بأمرين أساسين: الأول، أن تكون المطالبة بجعل لبنان مركزاً للشركات التي ستخوض عملية الإعمار في سوريا. أما الأمر الثاني فيقضي أن يكون لبنان ممراً أساسياً لكلّ المواد الاولية للبناء في سوريا.
وإنطلاقاً من هذا الأمر، على الدولة اللبنانية أن تدرك أهمية القمة المرتبطة بمؤتمر سيدر إرتباطاً وثيقاً. وإلى جانب كل هذا، فإنّ المطمئن أكثر بالنسبة لبنان هو الضمانات الدولية له بعدم إقدام إسرائيل على شنّ أي حرب عليه. وفعلياً، فإنّ هذا الأمر أبلغه صراحة مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان لمختلف المسؤولين، حيث ألمح أمامهم أنّ اسرائيل لن تصعّد الاوضاع مع لبنان أبداً، وهذا الامر مكفول دولياً.
ومع كل ذلك، فإنّ الالتزام الأميركي مع لبنان بهذا الشكل يرافقه علامات واضحة وبارزة، وهي التي تبدأ من عوكر حيث مقر السفارة الأمريكية في بيروت، التي يتمّ تشييدها بتكلفة 1 مليار دولار. هذا الأمر يعتبر مؤشراً واضحاً لتثقيل التمسك الأميركي بلبنان لجعله أرضية للوصول إلى سوريا من جهة، وإعلاناً بإنتهاء عهود حرب إسرائيل عليه.


















