في زمن ينهار فيه لبنان على كل المستويات، من الاقتصاد إلى الصحة والتعليم، فيما العسكريون يختنقون تحت وطأة رواتب لا تكفي حتى ثمن الخبز، يخرج بعض "الأبواق" ليصنعوا معارك وهمية على حساب ضباط شرفاء أثبتت المحاكم براءتهم. فجأة تصبح العقيد المهندس سوزان الحاج هدفاً سهلاً، وكأنها المسؤولة عن الانهيار المالي، أو عن الفساد السياسي المتجذّر منذ عقود.
لكن الحقيقة أبسط وأوضح: العقيد الحاج بريئة بحكم قضائي مبرم غير قابل للطعن. هذه ليست وجهة نظر، ولا "سكوب إعلامي"، بل حقيقة ثابتة بقرار صادر عن أعلى سلطة قضائية عسكرية في لبنان. كل ما يُثار اليوم ليس إلا محاولة بائسة لإحياء قضية طُويت منذ سنوات، فقط لأن البعض يحتاج إلى مادة دعائية يلهي بها الرأي العام كلما اقترب موسم الانتخابات.
السؤال البديهي الذي يفرض نفسه:
أين كان هؤلاء عندما انحدرت رواتب العسكريين إلى ما دون خط الفقر؟ أين كان صوتهم عندما تحوّلت المؤسسة العسكرية والأمنية إلى مؤسسات تصارع للبقاء وسط انهيار مالي قاتل؟ لماذا لم نشهد "حملاتهم الغاضبة" من أجل تحسين معيشة آلاف الجنود الذين يقفون على الحواجز، ويواجهون المجرمين، ويحفظون الأمن بدمائهم بينما عائلاتهم لا تملك ثمن الدواء أو حليب الأطفال؟
أليس الأجدى أن تُوجَّه السهام نحو من سرقوا أموال الدولة، بدل اختلاق معارك عبثية لتشويه سمعة ضابط مشهود لها بالكفاءة العلمية والعملانية؟ أليس من الأولى أن تُرفع الأصوات لمطالبة الحكومة بتأمين طبابة لائقة للعسكريين، أو تعليم لأولادهم، أو حتى كهرباء في ثكناتهم، بدل الانشغال بمسرحيات هزلية تحت عنوان "أسئلة إلى الحكومة"؟
الحقيقة المُرّة أن ما يجري لا علاقة له بالقانون ولا بالعدالة، بل هو مجرّد تصفية حسابات سياسية رخيصة. فبدل أن ينشغل البعض بمعارك وهمية ضد ضابط بُرِّئ بحكم قضائي مبرم، كان الأجدى أن يوجّهوا جهودهم إلى مواجهة الانهيار المالي والاقتصادي الذي يفتك باللبنانيين، وإلى الدفاع عن حقوق العسكريين الذين يقفون على الجبهات برواتب لا تكفي قوت يومهم.
إنّ الحملة على العقيد سوزان الحاج ليست سوى انعكاس لإفلاس سياسي وضيق أفق. هي ضابط في مؤسسة ما زالت تقدّم الدم في مواجهة التحديات الأمنية، فيما خصومها يقدّمون للعالم أسوأ نموذج عن "العمل النيابي الشعبوي" الفارغ من أي مضمون.
في النهاية، سيبقى الحكم عنوان الحقيقة، وستبقى براءة العقيد سوزان الحاج حقيقة قضائية لا تشوبها شائبة. أما الأبواق التي تهاجمها اليوم، فالأجدى بها أن تصمت، وأن ترفع صوتها حيث يجب: من أجل كرامة العسكريين ورواتبهم وحياة عائلاتهم، لا من أجل تشويه سمعة ضابط بريء.














